ابن ملقن
77
طبقات الأولياء
النوري : ما بلغت مقامي في السماع . فقال له الجنيد : وما مقامك فيه ؟ فقال : الرمز بالإشارة دون الإفصاح ، والكناية دون الإيضاح . ثم وثب وصفق بيديه ، فقام جميع من حضر بقيامه ساعة . وكان سبب وفاته « 14 » أنه سمع هذا البيت : لا زلت أنزل من ودادك منزلا * تتحير الألباب دون نزوله فتواجد وهام في الصحراء ، فوقع في أجمة قصب قد قطع ، وبقيت أصوله مثل السيوف ؛ وكان يمشى عليها ويعيد البيت إلى الغداة ، والدم يسيل من رجليه ، ثم وقع مثل السكران ، فورمت قدماه ومات . وقال الحسين بن الفضيل : حضرت النوري ، وهو في الموت ؛ فقلت : ألك حاجة ؟ أو في نفسك شهوة ؟ . فرفع رأسه ، وقد انكسر لسانه ، وقال : إي واللّه ! أشتهي شهوة كبيرة ! . قلت : وما هي ؟ قال : أشتهي أن أرى اللّه ! . ثم تنفس ثلاثا عاليا ، كالواجد بحاله ، وفارق الدنيا . وأنشد النوري : كم حسرة لي قد غصّت مرارتها * جعلت قلبي لها وقفا لبلواكا وحقّ ما منك يبلينى ويتلفنى * لأبكينّك أو أحظى بلقياكا قلت : وأستاذه بنان بن محمد الحمال « 15 » - بالحاء المهملة - أبو الحسن . أصله من واسط ، ونشأ ببغداد ، وسمع الحديث : ثم استوطن مصر ، ومات بها في رمضان سنة ست عشرة وثلاثمائة . وكان كبير الشأن صاحب كرامات .
--> ( 14 ) قد اختلف في سبب وفاته فقال ابن الجوزي في المنتظم ( 13 : 74 ) : قال أبو الحسن القناد : مات النوري في مسجد الشونيزية جالسا متقنعا ، فبقى أربعة أيام لم يعلم بموته أحد . وذكر ذلك أيضا الخطيب في تاريخ بغداد ( 5 / 343 ) . ( 15 ) سيأتي في الترجمة رقم ( 29 ) .